مركز الثقافة والمعارف القرآنية
140
علوم القرآن عند المفسرين
وليس المراد بذلك أنه كان مجموع الآيات مرتب السور على الحال الذي هو عليه الآن عندنا ، كتابا مؤلفا مجموعا بين الدفتين مثلا ثم فرق وانزل على النبي نجوما ليقرأه على الناس على مكث ، كما يفرقه المعلم المقري منا قطعات ثم يعلمه ويقريه متعلمه كل يوم قطعة على حسب استعداد ذهنه . وذلك أن بين إنزال القرآن نجوما على النبي وبين إلقائه قطعة قطعة على المتعلم فرقا بينا ؛ وهو دخالة أسباب النزول في نزول الآية على النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ولا شيء من ذلك ولا ما يشبهه في تعلم المتعلم ، فالقطعات المختلفة الملقاة إلى المتعلم في أزمنة مختلفة يمكن أن تجمع وينضم بعضها إلى بعض في زمان واحد ، ولا يمكن أن تجمع أمثال قوله تعالى : فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ « 1 » ، وقوله تعالى : قاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ « 2 » ، وقوله تعالى : قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجادِلُكَ فِي زَوْجِها « 3 » ، وقوله تعالى : خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً « 4 » ، ونحو ذلك فيلغى سبب النزول وزمانها ثم يفرض نزولها في أول البعثة أو في آخر زمان حياة النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ، فالمراد بالقرآن في قوله : ( وقرآنا فرقناه ) غير القرآن بمعنى الآيات المؤلفة . وبالجملة : فالمحصل من الآيات الشريفة : أن وراء ما نقرأه ونعقله من القرآن أمرا هو من القرآن بمنزلة الروح من الجسد ، والمتمثل من المثال - وهو الذي يسميه تعالى بالكتاب الحكيم - وهو الذي تعتمد وتتكي عليه معارف القرآن المنزل ومضامينه ، وليس من سنخ الألفاظ المفرقة المقطعة ولا المعاني المدلول عليها بها ، وهذا بعينه هو التأويل المذكور في الآيات المشتملة عليه لانطباق أوصافه ونعوته عليه . وبذلك تظهر حقيقة معنى التأويل ، ويظهر سبب امتناع التأويل عن أن تمسه الأفهام العادية والنفوس غير المطهرة . ثم إنه تعالى قال : إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ فِي كِتابٍ مَكْنُونٍ لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ « 5 » ، ولا شبهة
--> ( 1 ) سورة المائدة : الآية 13 . ( 2 ) سورة التوبة : الآية 123 . ( 3 ) سورة المجادلة : الآية 1 . ( 4 ) سورة التوبة : الآية 103 . ( 5 ) سورة الواقعة : الآية 77 - 79 .